الوقتين جميعاء وفصلوا بينهما بما زادوه من شريطة القوّة والفعل» فقالوا " موجود بالقوّة " و " موجود بالفعل ". وقد يقال " إِنّه موجود لا بالقوّة " وقد يقال " إِنّهِ غير موجود بالقوّة ". فإليك أن تنطق عنه بأيّ العبارتين شئت. وكذلك فيما هو موجود بالقوّة» إن شئت قلت فيه " إِنّه موجود لا بالفعل " وإن شئت قلت " إِنَّه غير موجود بالعفل ".(93) و " غير الموجود " و" ما ليس بموجود " تقال على نقيض ما هو موجودء وهو ما ليست ماهيّته خارج النفس. وذلك يُستعمّل على ما لا ماهيّة له ولا بوجه من الوجوه أصلا لا خارج النفس ولا في النفس؛ وعلى ما له ماهيّة متصوّرة في النفس لكنها خارج النفس» وهو الكاذبء فإِنّ الكاذب قد يقال " إِنّهِ غير موجود ". وذلك أنّ ما له ماهيّة خارج النفس سَلْبِهِ قولنا "' ليست له ماهيّة خارج النفس "» وهذا مشتمل على ما له ماهيّة في النفس فقط من غير أن يكون خارج النفس وما ليست له ماهيّة خارج النفس ولا في النفس. و '" غير الموجود " انما يدل على هذاالسلب» كما أنّ قولنا " ليس يوجد عادلا "ولا يصدق على ما يمكن فيه وعلى ما لا يمكن فيه العدل. وما ليس بصادق فهو أعمٌ من الكاذب. وذلك أن الذي لا ماهيّة له أصلا ليس بصادق ولا كاذب - لأنّه لا اسم له ولا قول يدل عليه أصلا - ولا بجنس ولا بفصل ولا يُتصوّر ولا يُنخيّل ولا تكون عنه مسألة أصلا. وأمّا ما كان ليس بصادق وهو كاذب فإنّهِ يُعمّل أو يُتصوّر أو يُتخيّل وله ماهيّة. فإنّ للكاذب ماهيّة ما وله اسم وقد يُسأل عنه " ما هو ". مثل الخلاء» فإنّه قد يُسأل عنه " ما هو " فيقال " هو مكان لا جسم فيه أصلا " و " يمكن أن يكون فيه جسم " أو غير ذينك مما يجاب به عن الخلاء وعن أشبهه. فإنٌ هذا وما أشبهه هو كاذب وهو غير موجود. وإًِا تكون هذه مركّبة من أشياء لكل واحد منها على انفراده ماهيّة صادقة. والذي له ماهيّة خارج النفس ليس يقال فيه " إِنّه صادق " مالم يُتصوّر. فإنّه ' غير موجود " إذن بمعتّيين مختلمَينء فإِنّ الذي ينفي " غيرُ " ليس هو المعنى " يوجد " إلا باشتراك الاسم. وهذا شيء يعرض لكل شيئين اشتركا في اسم واحد وكان الصادق هو نفي أحدهما عن أمر ما وإيجاب الآخرء مثل " إِنّ العضو الذي به نبصر هو عين وليس بعين "؛ وكذلك ما أشبهه. إلا أن الصادق إِئا يقال فيه " نه موجود " لأجل إضافته إلى الذي له ماهيّة خارج النفس. فهو إذن بالإضافة إلى المعنى الآخر الذي يقال عليه الموجود. فأقدم ما يقال عليه الموجود هو هذا المعنى. فإن قال فيه قائل " إِنّه غير موجود " يعني أنه غير صادق» أي كان لم يُتصوّر بعد فما ينبغي أن يُستنكر, فإنّهِ ليس بممتنع. (96) والأسبق إلى النفوس في بادئ الرأي من قولنا " غير موجود " ما لا ماهيّة له أصلا ولا بوجه من الوجوه. ولذلك لما كان لا ماهيّة له أصلا ولا بوجه من الوجوهء وكان أن يُعلّم عند الجمهور هو أن يُحَسَْء صار ما كان غير محسوس عندهم في حدّ ما ليس بموجود. ولذلك لماصار أيضا ما كان أخفى في الحم عندهم من الأجسام مثل الحباء والهواء وما أشبهه في حدٌّ ما هو عندهم غير موجود» صاروا يقولون في ما تلف وبطل " إِنّه هباء " و " صار هباء " و " ريحا ". ولذلك يسمّون القول الكاذب أيضا ريحاء إذ كان معناه يقال فيه إِنّه غير موجود. فمن ههنا يتبيّن أتمم يقولون على الكاذب أيضا " غير موجود "؛ وإن لم يكن ذلك مشهورا في نطقهمء إذ كانوا يعبّرون عن الكاذب بالذي يعبّرون به عمّا ما لا ماهيّة له أصلاء فيقولون " إِنّه ريح " كما يقولون فيما بطلت ماهيّته " إِنّه صار ريحا ". (97) ولما كان الأقدمون من القدماء يعملون في الفلسفة على ما يُفَهّم من الألفاظ في بادئ الرأي» وكان قولنا " غير موجود " يُفَهّم عنه ببادئ الرأي ما ليست له ماهيّة أصلاء وكان ما هو غير موجود هكذا لا يمكن أن يصير موجودا وأن يحصل عنه موجود بالفعل» ورأواما يُحَسَ أشياء تحدث وتحصل بالفعل وكان ما يحدث يسبق إلى النفس إِنّهِ يحدث عن غير موجود» وكان الأسبق إلى النفس عن غير الموجود أنه لا ماهيّة له أصلاء لزم عندهم محال؛ إذ كان يلزم أن يحدث موجود عن غير موجود.
فاعتقد بعضهم أنه غير موجود. ورأى بعضهم أيضا أنّ هذا يلزم عنه أيضا محال» إذ كان يلزم أن يكون ما هو الآن موجود حادث الوجود قد كان موجودا قبل حدوثه. فأبطلوا الكون والحدوث. وقالوا إِنَّ الأشياء كلّها لم تزل ولا تزال وليس فيها شيء يحدث ويبطل. وأبطلوا أن يتغيّر شيء أصلا بوجه من وجده التغيّرء قالوا إِنّهِ لا ينبغي أن يُعمَل على ما يظهر للحست» وذلك مثل قول ماليسس. وهذا المعنى فهم فاسد من قولنا " غير موجود ". فقال: كل ما سوى الموجود فهو غير موجود وما هو غير موجود فليس بشيء. وإًا حكم على ماهو لا موجود أَنّه ليس بشيء» إذ فهم عن ما هو لا موجود ما لا ماهيّة له أصلا. (98) ولما لم يتميّز أيضا للطبيعيّين الأقدمين فرق ما بين الموجود بالقوّة والموجود بالفعل كما تبيّن للإلاهييّن» شنع عندهم أن يقال في شيء واحد " إِنّه موجود " و " إِنَّهِ غير موجود ". إذ كانوا يفهمون عن ' الموجود " ما له ماهيّة بالفعل فقط - فإنَ هذا هو أسبق إلى النفوس في بادئ الرأي - وعن " غير الموجود " ما لا ماهيّة له أصلا - وهذا أيضا هو الأسبق إلى النفوس ف بادئ الرأي. فاعتقد كثير من المنطقيّين أن كاه حادث الوجود حصل بالفعل فقد كان بالفعل قبل وجوده. فبعضهم قال إِنّه كان متفرّقافاجتمع» وبعضهم قال كان مجتمعا مختلطا فافترق وتميّر بعضه عن بعض» وبعضهم قال إن كان عن لا موجود أصلا من كك الجهات. ثم أخذوا يحتالون في ما معنى أن يكون عن غير موجود أصلا ولا ماهيّة له أصلا. (99) و" الموجود بذاته " هو على عدد أقسام ما يقال " بذاته ". فمن ذلك ما ماهيّته مستغنية عن باقي المقوللات ولا تحتاج إليه أن تتقوّم أو تحصل أو تُعمّل إليهاء وتلك هي المشار إليه الذي لا في موضوع ثم ما يعّف ما هو هذا المشار إليه» والمقابل لهذا هو الموجود في موضوع. ومنه ما ماهيّته مستغنية عن أن تحتاج إلى أن تتقوّم إلى نسبة بينه وبين غيره بوجه ما من الوجوه؛ وهو الذي لا سبب أصلا لاهيّته في أن تحصلء والمقابل لهذا هو الموجود الذي له سبب مّا. وأما الموجود بذاته المقابل لما هو موجود بالعرضء فإنّه ليس يكون في ما يوصف بالموجود على الإطلاق وبالوجه الأعمٌ. فإنّهِ ليس شيء ماهيّته بالعرض» بل إِتما يقال ذلك عند مقايسة الموجودات بعضها إلى بعض وعندما يضاف بعضها إلى بعض - أي إضافة كانت وأيّ نسبة كانت - مثل أن يكون أحدهها أو كلت واحد منهما بالآخر أو عنه أو إليه أو منه أو معه أو عنده أو منسوبا إليه نسبة أخرى - أي نسبة كانت. فإنّه إذا كانت ماهيّة أحدهما أو كل واحد منهما هي ظان تكون له تلك النسبة إلى الآخرء قبل في كل واحد منهما " إِنَّهِ منسوب إلى الآخر بذاته ". مثل إن كانت ماهيّة شيء ما أن يوصف بمحمول ما فيه قيل في ذلك المحمول " إِنّهِ محمول بذاته على ذلك الشيء " وقيل في ذلك الشيء " إِنّهِ بذاته يوصف بذلكا محمول ". كذلك إن كانت ماهيّة أمر أن يكون محمولا على موضوع قيل فيه " إِنّه محمول بذاته على ذلك الموضوع " وقيل في ذلك الموضوع " إِنّه بذاته يُحمَل عليه ذلك المحمول ". وكذلك إن كانت ماهيّة شيء مّا توجب دائما أو ف أكثر الأمر أن يوصف بأمر مّا قيل فيه " إِنّه محمول عليه بذاته ". وكذلك إن كان شيء كائنا أو قوامه بأمر ما كان سببا له. فَإِنّه إن كانت ماهيّته هي أن يكون عنه» أو ماهيّة ما هو سبب أن يكون عنه ذلك الشيءء قيل " إن له بذاته ". وإن لم يكن ذلك ولا في ماهيّة واحد منهما قيل " إِنّه لذلك الأمر - أو فيه أو به أو عنه أو معه أو عنده - بالعرض ". (100) المقابل للموجود الذي يقال بالقياس إلى آخر هو " غير الموجود " الذي يقال بالقياس إلى آخر. فإِنًا نقول " زيد غير موجود عمرا " و " الحائط غير موجود إنسانا " و " السرير غير موجود عن الطبيعة بل عن الصنعة "2 نعني ليست ماهيّة السرير مستفادة عن الطبيعة. وكذلك في الباقي» نعني ما هو زيد ليست ماهيّة عمرو. (101) وقد يُستعمّل الموجود في شيء آخر خارج عن هذه التي ذكرناها. وهو أنه يُستعمّل رابطا للمحمول مع الموضوع في الأقاويل الجازمة الموجبة. فهذه اللفظة ومعناها تربط ا محمول بالموضوع وبه يحصل إيجاب شيء لشيء. وقد يحصل هذا الصنف من تركيب الموجودات بعضها إلى بعض» فإنّ الموجود يدلّ على الإيجاب و " غير الموجود " يدل على السَلْب. وليس يدلّفي مثل قولنا " زيد موجود عادلا " على أن ماهيّة أحدهما بالذات أو بالعرضء ولا أن ماهيّة أحدهما أو كلاهما الخارجة عن النفس هي أن توصف بالعادل. فإنّه قد يكون هذا التركيب في جواب ما ليست له الآن ماهيّة خارج النفس» فيصدق قولنا " اوميرس موجود شاعرا ". فيكون صادقا لأنّ ما يدل الموجود ههنا ليس هو الموجود الذي تحدّدت معانيه فيما تقدّم؛ بل هو لفظة ينطوي فيها موضوع محمول أو محمول لموضوعء وبالجملة شيئان ركبا هذا التركيب. وقد تنطوي فيها ما هيّاتما على أن لكك واحد عند الآخر هذه النسبة فقط. وهذه اللفظة في قوّتما ماهيّنا أمرين يضاف كال واحد منهما إلى الآخر هذه الإضافة» ليس ماهيّاتمما اللتان يقال إتمما خارج النفس» لكنّها ماهيّتاهما كيف اتفقت من حيث هما مضافان هذه الإضافة التي يصير المؤلّف منها قضيّة موجبة. فإنَّ هذه اللفظة قد تُستعمّل فيما هي كاذبة وفيما هي صادقة وفيما لا ندري هل هي صادقة أو كاذبة. فإكا إِنما تتضمّن ماهيّتهما على الإطلاق من حيث هما في النفس» سواء كانتا خارج النفس أو لم تكونا. وليس تتضمّن أيضا أمرين بأعيانهماء بل إِنما تتضمّن موضوعا لمحمول أو محمولا لموضوع. فلا فرق بين أن يُبتدَأ 1 ب من الموضوع إلى المحمول أو من المحمول إلى الموضوعء فيقال " 1 موجود ب " أو يقال " ب موجود 1 ". و " غير الموجود " يدلّ على سَلْب محمول عن موضوع أو موضوع يُسلّب عنه محمول مّا. وليس للموجود منها معنى أخر غير هذا. (102) فلذلك لما ظنّ قوم أنّه يُعنى بالموجود ههنا ما له ماهيّة خارج النفس ظنّوا أن قولنا "'زيد يوجد عادلا " يوجب أن يكون زيد موجود خارج النفس. وعلى هذا المثال ظنّوا السَلبء كقولنا " زيد ليس يوجد عادلا ". فَإِتُم زعموا أنه رَفْع ماهيّة زيد من حيث هو عادل. أن الإيجاب قد كان 1 عندهم إثبات ماهيّة زيد من حيث هو عادل. فلذلك لا يصدق الإيجاب على زيد متى كان قد مات وبطل. وأخرون ظنّوا أنه لا يصدق أن يقال " الإنسان موجود أبيض "». إذ ليست ماهيّة الإنسان أن يكون أبيض. وآخرون ظنُوا أن قولنا " الإنسان موجود حيوانا " كذبء إذ كان الحيوان قد يكون حمارا أو كلباء وظنُوا الَّ قولنا " الإنسان موجود حيوانا " يُعنى به أن الإنسان ماهيّته الحيوان الذي ينطوي فيه الحمار والكلب» فتكون ماهيّة الإنسان أن يكون حمارا أو كلباء أو أن يكون الحيوان أيضا جزءامن حدٌّ الحمار وأن تكون ماهيّة الإنسان حماريّة ماء وقالوا بل الصادق أن يقال " الإنسان موجود إنسانا " و " العادل موجود عادلا ". ولم يعلموا أن الموجود ههنا نما استُعمل باشتراك» وأنّه نا تنطوي فيه بالقوّة ماهيّتان اثنتان من حيث هما متصوّرتان هما نسبة ا لمحمول إلى موضوع والموضوع إلى ا لمحمول فقط لا غير» وأنّه ليس يتضمّن إضافة ماهيّة خارج النفس إلى ماهيّة خارج النفس بل إضافة في النفس أحد طرفيها الموضوع والآخر المحمول» ولا يتضمّن أن تكون ماهيّة أحدهما أن توصف بذلك المحمول بل إِنا يتضمّن ما قلناه فقط. وإِنما يتضمّن إضافة ما بما يصير أحد الأمرين خبرا والآخر مخبرا عنه موضوعا لا غير (103) والمؤتلف من الشيئين اللذين يأتلف أحدها إلى الآخر هذا الائتلاف هو القضيّة» وفيها يكون الصدق والكذب. فمنه موجبة ومنه سالبة. وكك واحد منهما إِمّا أن يكون معنى الوجود الرابط فيهما بالقوّة فقط» وهي القضايا التي محمولاتما كلِم؛ وإِمّا أن يكون معنى الوجود الرابط فيهما بالفعل» وهي التي محمولاتما أسماء. ثم تنقسم هذه بما ينقسم الموجود على الإطلاق» فمنهاما فيه إيجاب هذا الموجود بالفعل دائماء ومنها ما فيه نفي هذا الموجود دائماء ومنها ما فيه هذا الوجود في وقت ما وقد كان قبل ذلك بالقوّة. فما كان بالقوّة فهو ما دام بالقوّة يقال فيه " إِنّه قضيّة ممكنة ", وإذا حصلت بالفعل فيها " قضيّة وجوديّة "؛ وما كان منها إيجاب هذا الوجود دائما قيل فيه " إِنّه قضيّة موجبة ضروريّة "2 وماكان في نفي هذا الوجود دائما قيل فيه ' سالبة ضروريّة "؛ وسائر ما قلنا في كتاب " باري ارميناس " و كتاب " القياس ". فيكون منها ما هو " صادق ضروريٌ " ومنها ماهو " كاذب ضروريّ ' غير ا محال وما هو " صادق وجوديّ ". ثم ما هو " بالعرض " وما هو " بذاته " وما هو " أوّل " وما هو " ثان ". وسائر مايق فاك لان 0 وهو المحال» و" كاذب وجودي / وهو الكاذب الفصل السادس عشر: الشيء (104) والشيء قد يقال على كل ما له ماهيّة ما كيف كان, كان خارج النفس أو كان متصوّرا على أيّ حهة كان؛ منقسمة أو غير منقسمة. فإنَا إذا قلنا " هذا شيء " فإِنًا نعني به ما له ماهيّة مّا. فإِنّ الموجود نا يقال على ما له ماهيّة خارج النفس ولا يقال على ما ماهيّة متصوّرة فقطء فبهذا يكون الشيء أعمٌ من الموجود. والموجود يقال على القضيّة الصادقة» والشيء لا يقال عليها. فإنا لا نقول " هذه القضيّة شيء " ونحن نعني به أتما صادقة» بل إِنما نعني أن لما ماهيّة مّا. ونقول " زيد موجود عادلا " ولا نقول " زيد شيء عادلا ". وا محال يقال عليه " إِنّهِ شيء " ولا يقال عليه " إِنَّه موجود ". فالشيء إذن يقال على كثير مما يقال عليه الشيء وعلى ما لا يقال عليه الشيء. (105) و " ليس بشيء ' يُعنى به ما ليست له ماهيّة أصلا لا خارج النفس ولا في النفس. وهذا المعنى هو الذي فهم برمانديس من " غير الموجود ". فقال " وكلّ ما هو غير موجود فليس بشيء ". فإنّه أخذ " الموجود " على أنه بتواطق وأخذ " غير الموجود " على أنّه يدل على ما لا ماهيّة له أصلا ولا بوجه من الوجوه» فلذلك حكم عليه أنه ليس بشيء. فكان الذي ينتج عن هذا القول أن ما سوى الموجود ليس بشيء» وأنّهِ لا ماهيّة له أصلا. فأبطل بذلك كثرة الموجودات وجعل الموجود واحدافقط. وأمّا هو فَإِنّه أنتتج من أوّل الأمر " فالموجود إذن واحد ". فهذه معان ما يقال عليه الشيء.
الفصل السابع عشر: الذي من أجله (106) " والذي من أجله " يقال على أنحاء. الأول في مثل قولنا " الأساس هو من أجل الحائط والحائط هو الذي من أجله الأساس ". فإنّه يدل على أنّ الكل هو الذي من أجله الجزء. والثاني يدل على الآلة والذي فيه نُستعمّل الآلة» فإنَ الذي يُطلّب بلوغه باستعمال الآلة هو الذي لأجله الآلة» مثل الميْضّع والفصاد. والثالث هو الفعل الذي يؤدّي إلى غاية و غرضء فإِنَّ الغاية هو الذي لأجله الفعل» مثل التعليم والعلم الحاصل عنه, فإِنّ العلم هو الذي لأجله التعليم. وفي جميع هذه يلزم ضرورة أن يكون الذي لأجله الشيء يتأخر بالزمان عن الشيء وأن يتقدّمه الشيء بالزمان. والرابع المقتني» مثل الصحّة والإنسان. فإِنٌ الإنسان هو الذي لأجله النُمست الصحّة, والسرير الذي يعمله النجّار هو الذي لأجل زيد» والمال لأجل مقتني لكان اموي يدل على المستعمل للآلة والخادم» فإنّ الميْضَّع نا الُمس لأجل الطبيب والمثُّمَّبِ لأجل النجّار» فإنّ النجّار هو الذي لأجله عمل المنّمّب. والسادس يدل على الذي يُقتدببه ويجعل مثالا وإماما ودستوراء وهو يسمّى به فيما يُعَمَل ويُلتممس رضاه ويُتبّع أمره» مثل ضرب اليد لأجل الملك» والجهاد هو من أجل الله» والله هو الذي من أجله الجهاد والصلاة وأعمال البرٌ والتمسّك بالنواميس التي يشرّعها. فهذه الثلاثة يلزم فيها أن يتقدّم بالزمان الأشياء ل الثُمست لأجله هذه. فإِنُ هذه الأصناف الي لأجلها الشيء تتقدّم بالزمان الشيء ويتأخر عنها الشيء بالزمان. (107) عن يدلّ على فاعل؛ وعلى هذه الجهة يقال" عن شَّنُم فلان لفلان كانت الخصومة ".ويدلٌ على المادّة وعلى هذه الجهة يقال '" الإبريق عن النحاس ". ويدلٌ على " بعد " كقولنا " عن قليل تعلم ذلك "؛ وعلى هذه الجهة يقال "كيان ا موجود عن لاموجود:0 أو عق العدم َ أو 0 وُجد المشيء عن ضدة 1 البابٌ الثاني حُدوث الألفاظ والفلسفة والملة الفصل التاسع عشر: الملة والفلسفة تقال بتقديم وتأخير (108) ولما كان سبيل البراهين أن يُشْعر بما بعد هذه لزم أن تكون القوى الجدليّة والسوفسطائيّة والفلسفة المظنونة أو الفلسفة المموّهة تقدّمت بالزمان الفلسفة اليقينيّة» وهي البرهانيّة. والملّة إذا ججُعلت إنسانيّة فهي متأخّرة بالزمان عن الفلسفة, وبالجملة» إذ كانت إِنا يُلتَمّس بحا تعليم الجمهور الأشياء النظريّة والعمليّة التي استُّنبطت في الفلسفة بالوجوه التي يتأنّى لحم فهم ذلكء» بإقناع أو تخييل أو بمما جميعا. (109) وصناعة الكلام والفقه متأخّرتان بالزمان عنها وتابعتان لما. فإن كانت الملّة تابعة لفلسفة قليمة مظنونة أو مموّهة كان الكلام والفقه التابعان لما بحسب ذلك بل دونحماء وخاصّة إذا كانت قد خلّت الأشياء ألتي أخذتما عنهما أو عن إحداهما وأبدلت مكاتما خيالاتما ومثالاتما» فأخذت صنعة الكلام تلك المثالات والخيالات على أتَّا هي الحقّ اليقين والتمست تصحيحها بالأقاويل. وإن اثّفق أيضا أن يكون واضع نواميس متأخّر حاكمفيما شرّعه من الأشياء النظريّة واضع نواميس متقدّما قبله كان أخذ الأمور النظريّة عن فلسفة مظنونةأو مموّهة» وأخذ المثالات والخيالات التي تَخيّل بحا الأول ما كان أخذه عن تلك الفلسفة على أَتّما هي الحقّ لا أتّما مثالات» فالتمس تخييلها أيضا بمثالات تخي تلك الأشياء» فأخذ صاحب الكلام في ملته مثالاته تلك على أتا هي الحقّ» صار ما تنظر فيه صناعة الكلام في هذه الملّة أبعد عن الحقّ من الأولى» إذ كان إِنا تصحيح مثال مثالالشيء الذي ظْنَ حقّ أو مموّه أنه حقّ. (110) وبيّن أن صناعة الكلام والفقه متأخّرتان عن الملّة والملّة متأخرة عن الفلسفة, وأنّْ القوّة الجدليّة والسوفسطائيّة تتقدّمان الفلسفة» والفلسفة الجدليّة والفلسفة السوفسطائيّة تتقدّمان الفلسفة البرهانيّة» فالفلسفة بالجملة تتقدّم الملّة على مثال ما يتقدّم بالزمان المستعمل الآلات الآلات. والجدليّة والسوفسطائيّة تتقدّمان الفلسفة على مثال تقدّم غذاء الشجرة للثمرة» أوعلى مثال ما تتقدّم زهرة الشجرة الثمرة. والملّة تتقدّم الكلام والفقه على مثال ما يتقدّم الرئيس المستعمل للخادم الخادمَ المستعمل للآلة الآلة. (111) والملّة إذ كانت إِنا تعلّم الأشياء النظريّة بالتخييل والإقناع» ولم يكن يعرف التابعون لما من طرق التعليم غير هذين» فظاهر أن صناعة الكلام التابعة للملّة لا تشعر بغير الأشياء المقنعة ولا تصحّح شيئا منها إلا بطرق وأقاويل إقناعيّة» ولا سيّما إذا قُصد إلى تصحيح مثالات الحقّ على أتّما هي الحق. والإقناع نا يكون بالمقدّمات التي هي في بادئ الرأي مؤثّرة ومشهورة» وبالضمائر والتمثيلات» وبالجملة بطرق خطبيّة» كانت أقاويل أو كانت أموراخارجة عنها. فالمتكلّم إذن يقتصر في الأشياء النظريّة التي يصِحّحها على ما هو في بادئ الرأي مشترك. فهو يشاركالجمهور في هذا. لكنّه ربا يتعمّب بادئ الرأي أيضاء لكنه إِنا يتعمّب بادئ الرأي بشيء آخر هو أيضا بادئ الرأي. وأقصى ما يبلغ من التوثيق أن يجعل الرأي في نقضه جدليًا. فهو بمذا يفارق الجمهور بعض المفارقة. وأيضا فإنّه نا يحعل غرضه في حياته ما يستفاد بما. فهو أيضا يفارق الجمهور بحذا. وأيضا فإنّه لما كان خادما للملّة» وكانت الملّة منزلتها من الفلسفة تلك المنزلة» صار الكلام نسبته إلى الفلسفة أيضا على أتا بوجه ما خادمة لها أيضا بتوسّط الملة» إذ كانت إِنا تنصر وتلقمس تصحيح ماقد صُحّح أُولا في الفلسفة بالبراهين بما هو مشهور في بادئ الرأي عند الجميع ليحصل التعليم مشتركا للجميع. ففارق الجمهور بحذا أيضا. فلذلك ظُّيّ به أنه من الخاصّة لا من الجمهور. وينبغي أن يُعلّم أنه أيضا من الخاصّة, لكن بالإضافة إلى أهل تلك الملّة فقط» والفيلسوف خاصِّيّته بالإضافة إلى جميع الناس وإلى الأمم. (112) والفقيه يتشبّه بالمتعمّل. وإِا يختلفان في مبادئ الرأي التي يستعملانما في استنباط الرأي الصواب في العمليّة الجزئيّة. وذلك أن الفقيه إِنَا يستعمل المبادئ مقدّمات مأخوذة منقولة عن واضع الملّة في العمليّة الجرئيّة والمتعمّل يستعمل المبادئ مقدّمات مشهورة عند الجميع ومقدّمات حصلت له بالتجربة. فلذلك صار الفقيه من الخواصّ بالإضافة إلى ملّة ما محدودة والمتعمّل من الخاصّة بالإضافة إلى الجميع. (113) فالخواصّ على الإطلاق إذن هم الفلاسفة الذين هم فلاسفة بإطلاق. وسائر من يُعَدَ من الخواص إِنَا يُعَدّ منهم لأنّ فيهم شبها من الفلاسفة. من ذلك أنّ كل مَن قُلّد أو تقلّد رئاسة مدنيّة أو كان يصلح لأن يتقلّدها أو كان معَدًا لأن يتقلّدها يجعل نفسه من الخواص» إذ كان فيه شبه ما من الفلسفة, إذ كان أحد أجزائها الصناعة الرئيسة العمليّة. ومن ذلك أن الحاذق من أهل كله صناعة عمليّة يجعل نفسه من الخواصّ لكونه أنه قد استقصى تعقيب ما هو عند أهل الصناعة مأخوذ على الظاهر. وليس الحاذق من أهل كلك صناعة يسمّينفسه بحذا الاسم فقطء لكنّ أهل صناعة عمليّة ربا سموا أنفسهم خواص بالإضافة إلى مَن ليس هو من أهل تلك الصناعة؛ إذ كان إِنا يتكلم وينظر في صناعته بالأشياء التي تخصّ صناعته ومّن سواه إِنَا يتكلم وينظر فيها ببادئ الرأي وما هو مشترك عند الجميع في الصنائع كلّها. وأيضا فإنّ الأطباء يسمّون أنفسهم أيضا من الخواصّ إِمَا لأَتُم كانوا يتقلّدون تدبير المرضى المدنفين» وما لأنّ صناعتهم تشارك العلم الطبيعئ من الفلسفة, وما لأتُم يحتاجون إلى أن يستقصوا تعقيب ما هو في صناعتهم من بادئ الرأي أ كثر من سائر الصناعات للخطر والضرر الذي لا يؤمّن على الناس من أقلّ خطأ يكون منهم, وإِمّا لأنّ صناعة الطب تستخدم صنائع كثيرة من الصنائع العمليّة مثل صناعة الطبخ والحرد وبالجملة الصنائع النافعة في صِحّة الإنسان. ففي جميع هذه شبه من الفلسفة بوجه ما. وليس ينبغي أن يسمّى أحد من هؤلاء خواص إلا على جهة الاستعارة» ويُجعَل الخواصن أُوّلا وفي الجودة على الإطلاق الفلاسفة» ثم الجدليون والسوفسطائيّون» ثم واضعوا النواميس» ثم المتكلّمون والفقهاء. والعوامً والجمهور أولئك الذين حدّدناهم؛ كان فيهم من تقلّد رئاسة مدنيّة أو كان يصلح أن يقلّدها أم لا.
الفصل العشرون: حدوث حروف الأمّة وألفاظها (114) وبيّن أن العوامٌ والجمهور هم أسبق في الزمان من الخواص. والمعارف المشتركة التي هي بادئ رأي الجميع في الزمان من الصنائع العمليّة ومن المعارف التي تخصّ صناعة صناعة منهاء وهذه جميعا هي المعارف العاميّة. وأوّل ما يحدثون ويكونون هؤلاء. فَإتهُم يكونون في مسكن وبلد محدود. ويُفطرون على صُوّر وخلّق ف أبدانهم محدودة» وتكون أبدانحم على كيفيّة وأمزجة محدودة» وتكون أنفسهم معَدّة ومسدّدة نحو معارف وتصوّرات وتخيّلات بمقادير محدودة في الكميّة والكيفيّة - فتكون هذه أسهل عليهم من غيرها -» وأن تنفعل انفعالات على أنحاء ومقادير محدودة الكيفيّة والكميّة - وتكون هذه أسهل عليها -» وتكون أعضائهم معدّة لأن تكون حركتها إلى جهات ما وعلى أنحاء أسهل عليها من حركتها إلى جهات أخر وعلى أنحاء أخر. (115) والإنسان إذا خلا من أُوّل ما يُفطر ينهض ويتحرّك نحو الشيء الذي تكون حركته إليه أسهل عليه بالفطرة وعلى النوع الذي تكون به حركته أسهل عليه» فتنهض نفسه إلى أن يعلم أو يفكّر أو يتصوّر أو يتخيّل أو يتعمّل كل ما كان استعداده له بالفطرة أشدّ وأ كثر - فإنّ هذا هو الأسهل عليه - ويرك جسمه وأعضاءه إلى حيث ترك وعلى النوع الذي استعداده بالفطرة له أشدّ وأكثر وأكمل - فإِنّ هذا أيضا هو الأسهل عليه. وأوّل ما يفعل شيئامن ذلك يفعل بقوّة فيه بالفطرة وبملكة طبيعيّة» لا باعتياد له سابق قبل ذلك ولا بصناعة. وإذا كرّر فِعْل شيء من نوع واحد مرارا كثيرة حدثت له ملكة اعتياديّة إِمَا خلقيّة أو صناعيّة. (116) وإذا احتاج أن يعرف غيره ما في ضميره أو مقصوده استعمل الإشارة أُوَلا في الدلالة على ما كان يريد ممّن يلتمس تفهيمه إذا كان مَن يلتمس تفهيمه بحيث يبصر إشارته» ثمّ استعمل بعد ذلك التصويت. وأوّل التصويتات النداء - فإنّه بهذا ينتبه مَن يلتمس تفهيمه أنه هو المقصود بالتفهيم لا سواه - وذلك حين ما يقتصر في الدلالة على ما ضميره بالإشارة إلى امحسوسات. م من بعد ذلك يستعمل تصويتات مختلفة يدل بواحد واحد منها على اوحد واحد مما يدل عليه بالإشارة إليه وإلى محسوساته» فيجعل لكل مشار إليه محدود تصويتا ما محدودا لا يستعمل ذلك التصويت في غيره؛ وكلّ واحد من كلّ واحد كذلك. (117) وظاهر أنّ تلك التصويتات إِنا تكون من القرع بحواء النقّس بجزء أو أجزاء من حلقه أو بشيء من أجزاء ما فيه وباطن أنفه أو شفتيه» فإِنّ هذه هي الأعضاء المقروعة بمواء النقّس. والقارع أُوّلا هي القوّة الي تسرّب هواء النقّس من الرئة وتحويف الحلق أوّلا فألا إلى طرف الحلق الذي يلي الفم والأنف وإلى ما بين الشفتين» ثم اللسان يتلقّى ذلك المواء فيضعطه إلى جزء جزء من أجزاء باطن الفم وإلى جزء جزء من أجزاء أصول الأسنان وإلى الأسنان» فيقرع به ذلك الجرءَ فيحدث من كل جزء يضغطه اللسان عليه ويقرعه به تصويت محدود» وينقله اللسان بالحواء من جزء إلى جزء من أجزاء أصل الفم فتحدث تصويتات متوالية كثيرة محدودة. (118) وظاهر أنّ اللسان إِنا يتحرّك أوّلا إلى الجزء الذي حركته إليه أسهل. فالذين هم ف مسكن واحد وعلى خِلّق في أعضائهم متقاربة» تكون ألسنتهم مفطورة على أن تكون أنواع حركاتما إلى أجزاء أجزاءمن داخل الفم أنواعا واحدة بأعياتماء وتكون تلك أسهل عليها من حركاتما إلى أجزاء أجزاء أخر. ويكون أهل مسكن وبلد آخرء أذا كانت أعضاؤهم على خلق وأمزجة مخالفة للق أعضاء أولئك» مفطورين على أن تكون حركة ألسنتهم إلى أجزاء أجزء من داخل الفم أسهل عليهم من حركتها إلى الأجزاء التي كانت ألسنة أهل المسكن الآخر تتحرّك إليهاء فتخالف حينئذ التصويتات التي يجعلونما علامات يدلّ بما بضعهم بعضا على ما في ضميره مما كان يُشير إليه وإلى محسومه أوّلا. ويكون ذلك هو السبب الأوّل في اختلاف ألسنة الأمم. فإِنٌ تلك التصويتات الأول هي الحروف المعجمة. (119) ولأنٌ هذه الحروف إذا جعلوها علامات أوّلا كانت محدودة العدد» لم تف بالدلالة على جميع ما يتفق أن يكون في ضمائرهم إلى تركيب بعضها إلى بعض بموالاة حرف حرف, فتحصل ف ألفاظ من حرفين أو حروف, فيستعملوتحا علامات أيضا لأشياء أخر. فتكون الحروف والألفاظ الأول علامات محسوسات بمكن أن يشار إليها ولمعقولات تستند إلى محسوسات يمكن أن يشار إليهاء فإِنَّ كلّ معقول كلَي له أشخاص غير أشخاص المعقول الآخر. فتحدث تصويتات كثيرة مختلفة» بعضها علامات محسوسات - وهي ألقاب - وبعضها دالّة على معقولات كلّيّة لها أشخاص محسوسة. وإِنا يُفَهَم من تصويت تصويت أنه دال على معقول معقول متى كان تردّد تصويت واحد بعينه على شخص مشار إليه وعلى كلّ ما يشابمه في ذلك المعقول. ثم يُستعمّل أيضا تصويت آخر على شخص تحت معقول ما آخر وعلى كلّ ما يشابمه في ذلك المعقول.
الفصل الحادي والعشرون: أصل لغة الأمّة واكتمالما. (120) فهكذا تحدث أولا حروف تلك الأمّة وألفاظها الكائنة عن تلك الحروف. ويكون ذلك أوّلا تمن اثّفق منهم. فيتفق أن يستعمل الواحد منهم تصويتا أو لفظة في الدلالة على شيء ما عندما يخاطب غيره فيحفظ السامع ذلك» فيستعمل السامع ذلك بعينه عندما يخاطب المنشئ الأوّل لتلك اللفظة» ويكون السامع الأوّل قد احتذى بذلك فيقع به» فيكونان قد اصطلحا وتواطئا على تلك اللفظة» فيخاطبان بما غيرهما إلى أن تشيع عند جماعة. تم كلما حدث في ضمير إنسان منهم شيء احتاج أن يُفهمه غيره ممّن يجاوره» اخترع تصويتا فدل صاحبّه عليه وسمعه منه فيحفظ كلّ واحد منهما ذلك وجعلاه تصويتا دالاً على ذلك الشيء. ولا يزال يُحدث التصويتات واحد بعد آخر ممّن اثّفق من أهل ذلك البلد» إلى أن يُحدث مَن يدبّر أمرهم ويضع بالإحداث ما يحتاجون إليه من التصويتات للأمور الباقية التي ل يتّفق لما عندهم تصويتات دالّة عليها. فيكون هو واضع لسان تلك الأمّة. فلا يزال منذ أوّل ذلك يدبّر أمرهم إلى أن توضع الألفاظ لكل ما يحتاجون إليه في ضروريّة أمرهم. (121) ويكون ذلك أُوّلا لما عرفوه ببادئ الرأي المشترك وما مُحَسسَ من الأمور التي هي محسوسات مشتركة من الأمور النظريّة مثل السماء والكواكب والأرض ومافيهاء ثم لما استنبطوه عنه» ثم من بعد ذلك للأفعال الكائنة عن قواهم التي هي م بالفطرة» ثم“ للملكات الحاصلة عن اعتياد تلك الأفعال نت أخلاق أو صنائع للأفعال الكائنة عنها بعد أن حصلت ملكات عن اعتيادهم؛ ثمَمن بعد ذلك لما تحصل لهم معرفته بالتجربة أولا ولما يُستنبط عمًا حصلت معرفته بالتجربة من الأمور المشتركة لهم أجمعين» ثم من بعد ذلك للأشياء التي تخصّ صناعة صناعة من الصنائع العمليّة من الآلات وغيرهاء ثم لما يُستخرّج ويوجد بصناعة صناعة: إلى أن يؤتى على ما تحتاج إليه تلك الأمّة. (122) فإن كانت فِطَّر تلك الأمّة على اعتدال وكانت أمّة مائلة إلى الذكاء والعلم طلبوا بفِطرهم من غير أن يعتمدوا في تلك الألفاظ التي بعل دالّة على المعاني محاكاة المعاني وأن يجعلوها أقرب شبها بالمعاني والموجود» وتمضت أنفسهم بفطرها لأن تتحرّى في تلك الألفاظ أن تنتظم بحسب انتظام المعاني على أكثر ما تتأنّى لما في الألفاظ» فيُجتهّد في أن تُعرب أحوالها الشبه من أحوال المعاني. فإن لم يفعل ذلك من اتّفق منهم فعل ذلك مديّروا أمورهم في ألفاظهم التي يشعونما. (123) فيبين منذ أوّل الأمر أن ههنا محسوسات مدركة بالحسن» وأنّ فيها أشياء متشابحة وأشياء متباينة» وأنّ المحسوسات المتشايحة إِنَا تتشابه في معنى واحد معقول تشترك فيه» وذلك يكون مشتركا لجميع ما تشابه؛ ويُعمّل في كلّ واحد منها ما يُعمّل في الآخرء ويسمّى هذا المعقول ا محمول على كثير " الكلَيم " و" المعنى العام ". وأمّا المحسوس نفسهء فك معنى كان واحدا ولم يكن صفة مشتركة لأشياء كثيرة ولى يكن يشابمه شيء أصلاء فيسمّى الأشخاص والأعيان؛ والكلّيّات كلها فتسمّى الأجناس والأنواع. فالألفاظ إذن بعضها ألفاظ دالّة على أجناس وأنواع وبالجملة الكليّات» ومنها دالّة على الأعيان والأشخاص. ولمعانى تتفاضل في العموم والمخصوص. فإذا طلبوا تشبيه الألفاظ بالمعانى جعلوا العبارة عن معنى واحد يعمٌ أشياء ما كثيرة بلفظ واحد بعينه يعم تلك الأشياء الكثيرة» وتكون للمعاني المتفاضلة في العموم والخصوص ألفاظ متفاضلة في العموم والمخصوصء وللمعان المتباينة ألفاظ متباينة. وكما أن في المعاني معاني تبقى واحدة بعينها تتبدّل عريها أفرضي مافي طارية كنك عاق الأنقاكك تروت ف سكروف 216 أعرافة تله عل انكل واعيد ديد كاه حرف يتبدّل لعرض يتبدّل. فإذا كان المعنى الواحد يثبت وتتبدّل عليه أعراض متعاقبة» جُعلت العبارة بلفظ واحد يثبت ويتبدّل عليها حرف حرفء وك حرف منها دالٌ على تغيير تغيير. وإذا كانت المعاني متشابمة بعرض أو حال ما تشترك فيها» جُعلت العبارة عنها بألفاظ متشابحة الأشكال ومتشابحة بالأواخر والأوائل وججعلت أواخرها كلّها أوأوائلها حرفاواحدافجُعل دالاً على ذلك العرض. وهكذا يُطلّب النظام في الألفاظ تحريًا لأن تكون العبارة عن معان بألفاظ شبيهة بتلك المعاني. (124) ويبلغ من الاجتهاد في طلب النظام وشبه الألفاظ بالمعاني إلى أن جُجَعَل اللفظةالواحدة دالّة على معان متباينة الذوات متى تشابحت بشيء ما غير ذلك وعلى أدائها وإن كان بعيدا جدّاء فتحدث الألفاظ المشككة. (125) م يبين لنا شبه الألفاظ بالمعاني» ونحاكي بالألفاظ المعاني التي ليست تكون كا العبارة» فيُطلب أن يُجعل في الألفاظ ألفاظ تعمّ أشياء كثيرة من حيث هي ألفاظ» كما أن في المعاني معان تعمّ الأشياء كثيرة المعاني. فتحدث الألفاظ المشتركة» فتكون هذه الألفاظ المشتركة من غير أن يدل كله واحد منها على معنى مشترك. وكذلك مُجعل في الألفاظ ألفاظ متباينة من حيث هي ألفاظ فقطء كما أنّ المعاني معان متباينة. فتحصل ألفاظ مترادفة. (126) ويُجرى ذلك بعينه في تركيب الألفاظ» فيحصل تركيب الألفاظ شبيها بتركيب المعاني المركّبة التي تدلّ عليها تلك الألفاظ المركّبة» وجل في الألفاظ لمركٌبة أشياء ترتبط بماالألفاظ بعضها إلى بعض مت كانت الألفاظ دالّة على معان مركبة ترتبط بعضها ببعض. ويُتحتى أن يجعّل ترتيب الألفاظ مساويا لترتيب المعاني في النفس. (127) فإذا استقرّت الألفاظ على المعاني التي جُعلت علامات لما فصار واحد واحد لواحد واحد وكثير لواحد أو واحد لكثير» وصارت راتبة على التي جعلت دالّة على ذواتماء صار الناس بعد ذلك إلى النسخ والتجوّز في العبارة بالألفاظ» فعُبّر بالمعنى بغير اسمه الذي جُعل له أولا وجُعل الاسم الذي كان لعنى ما راتبا له دالاً على ذاته عبارة عن شيء آخر كان له به تعلّق ولو كان يسيرا إما لشبه بعيد وإمّا لغير ذلك» من غير أن مُجل ذلك راتبا للثاني دالا على ذاته. فيحدث حينئئذ الاستعارات وامجازات والتحرّد بلفظ معنى ما عن التصريح بلفظ المعنى الذي يتلوه متى كان الثاني يهم منالأوّل» وبألفاظ معان كثيرة يصبّح بألفاظها عن التصريح بألفاظ معان أخر إذا كان سبيلها أن تُقرَن بالمعاني الأول متى كانت تُفَهَم الأخيرة مع فهم الأولى» والتوسّع في العبارة بتكثير الألفاظ وتبديل بعضها ببعض وترتيبها وتحسينها. فيبتدئ حين ذلك في أن تحدث الخطبيّة أولا ثم الشعريّة قليلا قليلا. (1285) فينشأ مَن نشأ فيهم على اعتيادهم النطق بحروفهم وألفاظهم الكائنة عنها وأقاويلهم المؤلّفة عن ألفاظهم من حيث لا يتعدّون اعتيادهم ومن غير أن يُنطّق عن شيء إلا ما تعوّدوا استعمالها. ويمكن ذلك اعتيادهم لها في أنفسهم وعلى ألسنتهم حيٌّ لا يعرفوا غيرهاء حيّ تحفوا ألسنتهم عن كل لفظ سواها وعن كل تشكيل لتلك الألفاظ غير التشكيل الذي تمكّن فيهم وعن كل ترتيب للأقاويل سوى ما اعتادوه. وهذه التي تمكنت على ألسنتهم وفي أنفسهم بالعادة على ماأخذوه ممّن سلف منهم» وأولنك أيضا عن مّن سلفء وأولئك أيضا عن مَن وضعها لهم أولا. بإكمال التي وضعها لهم أولئك. فهذاهو الفصيح والصواب من ألفاظهم, وتلك الألفاظ هي لغة تلك الأمّة» وما خالف ذلك فهو الأعجم والخطأ من ألفاظهم.